جاء قرار شركة “إكسيد” بافتتاح أكبر منشأة عالمية لها بمساحة 5,000 متر مربع في قلب العاصمة الرياض كخطوة إستراتيجية مدروسة، تعكس قراءة دقيقة ومدروسة لتوجهات سوق السيارات السعودي والمتطلبات النوعية التي تفرضها المنافسة فيه.
وبلغ حجم سوق السيارات في المملكة العربية السعودية 857,247 وحدة في عام 2025، بزيادة قدرها 3.6% على أساس سنوي، وتُقدَّر قيمته بـ 47.46 مليار دولار أمريكي، وهي أقوى نتائج سنوية يشهدها السوق منذ عقد كامل من الزمن. ولا تقتصر قوة هذه الأرقام على حجم المبيعات فحسب، بل تمتد إلى ولاء العملاء الذي تحركه بشكل أساسي جودة خدمات ما بعد البيع وموثوقية المركبات؛ وهي الديناميكية التي تفصل دوماً بين العلامات التجارية ذات الحضور المستدام وتلك التي تكتفي بدخول مؤقت. فبالنسبة لأي وافد جديد للسوق، قد يضمن المنتج عملية البيع الأولى، ولكن تجربة الملكية هي ما تحدد الاستمرارية.
وفي الوقت الذي تستحوذ فيه العلامات التجارية الصينية حالياً على نحو 5.3% من حصة السوق في المملكة، تظل فئة السيارات الفاخرة ميدانًا مفتوحًا للمنافسة. وهنا تأتي محفظة “إكسيد” التي تضم خمس طرازات، حصل العديد منها على تصنيف 5 نجوم في اختبارات السلامة الأوروبية (Euro NCAP)، لتسد هذه الفجوة مباشرة. وتتصدر المملكة العربية السعودية الأسواق العالمية بنسبة 79% من المستهلكين الذين أبدوا انطباعات إيجابية تجاه السيارات الصينية، مع مستويات ثقة تتجاوز 70%. لذا، فإن الرغبة الاستهلاكية موجودة، ويظل المعيار الآن هو قدرة البنية التحتية للعلامة التجارية على دعم هذا الإقبال على نطاق واسع.
تمكين الطموح ببنية تحتية صلبة
لقد أصبحت هذه البنية التحتية واقعاً ملموساً؛ ففي ديسمبر 2024، افتتحت المجموعة الأم لشركة “إكسيد” مستودعاً إقليمياً لقطع الغيار يضم أكثر من 20,000 نوع من قطع الغيار في منطقة جبل علي بدبي، بمساحة 12,000 متر مربع، وهو مخصص لخدمة المملكة ودول مجلس التعاون الخليجي. وفي سوق يتعامل فيه أصحاب المركبات بانتظام مع درجات الحرارة المرتفعة، والمسافات الطويلة، والاستخدام اليومي المكثف، تكتسب سرعة توفر قطع الغيار والاستجابة للخدمة وزناً كبيراً في قرارات الشراء.
وقد باتت خدمات ما بعد البيع جزءاً لا يتجزأ من وعد العلامة التجارية في أسواق كالسوق السعودي، وعاملاً جوهرياً لضمان تكرار الشراء والاحتفاظ بالعملاء على المدى الطويل. ويستند هذا الدعم اللوجستي إلى القدرات التصنيعية الهائلة للمجموعة الأم لـ “إكسيد”، والتي حافظت على صدارتها كأكبر مصدر لسيارات الركاب في الصين لمدة 23 عاماً متتالية، حيث شحنت أكثر من 1.3 مليون مركبة إلى أكثر من 120 دولة في عام 2025 وحده.
وبدأت مسيرة “إكسيد” في المملكة انطلاقاً من الدمام، لتتوسع بعدها الشبكة وتصل إلى الرياض ثم جدة، مشكلةً بذلك منظومة متكاملة من ثلاثة معارض تغطي أهم المراكز التجارية. ويبرز المركز الرئيسي في الرياض كمنشأة متكاملة من فئة “3S”، تجمع خدمات المبيعات والصيانة وقطع الغيار تحت سقف واحد ليكون المركز المحوري لتجارة وخدمات السيارات، بينما يدعم موقع جدة الساحلي عمليات توزيع قطع الغيار، وترسخ القاعدة الصناعية في الدمام شبكة متطورة من ورش العمل ومقدمي الخدمات. ويعكس هذا التوزع الجغرافي خريطةَ الطلب الفعلي على السيارات في المملكة.
شراكة تعزز الحضور
وعلى أرض الواقع، تتولى شركة محركات الإرث العربي إدارة عمليات “إكسيد” في المملكة من خلال قسم النقل التابع لـ “مجموعة الغرير”. وتوظف المجموعة، التي تأسست في دبي عام 1960، أكثر من 4,500 موظف في 12 دولة، وتُضيف إلى هذه الشراكة خبرة تشغيلية إقليمية تمتد لستة عقود. وبات النجاح في قطاع السيارات بالخليج يعتمد بشكل متزايد على الوكلاء الذين يتجاوزون مفهوم “البيع العابر” نحو صياغة تجارب ملكية متكاملة وحلول تنقل مرنة، وهي كفاءات تُبنى عبر عقود من الخبرة.
وتتبنى “إكسيد” في توسعها الدولي شعاراً يرتكز على ثلاث ركائز: التعمق في السوق المحلي، والعمل لأجل خدمته، وترسيخ الحضور الدائم فيه؛ حيث يضع هذا الإطار الاستراتيجي البنية التحتية والالتزام تجاه السوق المحلي كأولوية قصوى تتقدم على مجرد السعي وراء أرقام المبيعات. وعلى الرغم من توقعات استقرار نمو المبيعات في المملكة عند حوالي 2% حتى عام 2030، إلا أن هذا المسار يخفي وراءه تحولاً هيكلياً في كيفية بناء العلامات التجارية لمكانتها السوقية. فالعلامات التي ستثبت أقدامها هي تلك التي استثمرت في الأسس الصحيحة منذ البداية.
إن دخول “إكسيد” إلى السوق السعودي، بحجم منشآتها، وبنيتها التحتية لقطع الغيار، وعمق خبرة وكيلها، وتغطيتها الجغرافية، يعكس بوضوح هذا التوجه الجاد.

